الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

205

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

( عن ) إلى كلمة ( بعد ) فقال : لآل الجلاح كابرا بعد كابر وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وأبو جعفر لَتَرْكَبُنَّ بضم الموحدة على خطاب الناس . وقرأه الباقون بفتح الموحدة على أنه خطاب للإنسان من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ [ الانشقاق : 6 ] . وحمل أيضا على أن التاء الفوقية تاء المؤنثة الغائبة وأن الضمير عائد إلى السماء ، أي تعتريها أحوال متعاقبة من الانشقاق والطيّ وكونها مرة كالدّهان ومرة كالمهل . وقيل : خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم قال ابن عطية : قيل : هي عدة بالنّصر ، أي لتركبن أمر العرب قبيلا بعد قبيل وفتحا بعد فتح كما وجد بعد ذلك ( أي بعد نزول الآية حين قوي جانب المسلمين ) فيكون بشارة للمسلمين ، وتكون الجملة معترضة بالفاء بين جملة : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [ الانشقاق : 14 ] وجملة : فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [ الانشقاق : 20 ] . وهذا الوجه يجري على كلتا القراءتين . [ 20 ، 21 ] [ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 20 إلى 21 ] فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ( 21 ) ويجوز أن يكون التفريع على ما ذكر من أحوال من أوتي كتابه وراء ظهره ، وأعيد عليه ضمير الجماعة لأن المراد ب ( من ) الموصولة كل من تحق فيه الصلة فجرى الضمير على مدلول ( من ) وهو الجماعة . والمعنى : فما لهم لا يخافون أهوال يوم لقاء اللّه فيؤمنوا . ويجوز أن يكون مفرعا على قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [ الانشقاق : 6 ] ، أي إذا تحققت ذلك فكيف لا يؤمن بالبعث الذين أنكروه . وجيء بضمير الغيبة لأن المقصود من الإنكار والتعجيب خصوص المشركين من الذين شملهم لفظ الإنسان في قوله : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ لأن العناية بموعظتهم أهم فالضمير التفات . ويجوز أن يكون تفريعا على قوله : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ [ الانشقاق : 19 ] فيكون مخصوصا بالمشركين باعتبار أنهم أهم في هذه المواعظ . والضمير أيضا التفات . ويجوز تفريعه على ما تضمنه القسم من الأحوال المقسم بها باعتبار تضمن القسم بها أنها دلائل على عظيم قدرة اللّه تعالى وتفرده بالإلهية ففي ذكرها تذكرة بدلالتها على الوحدانية . والالتفات هو هو .